عبد الملك الجويني
241
الشامل في أصول الدين
انتقل إلى المكان الثاني ، فاختصاصه به في الحالة الأولى كاختصاصه به في الحالة الثانية . وإذا دلت الدلالة على الحكم باستحالة بقاء الكون الأول ، وجب طرد ذلك فيما بعده . وهؤلاء ينفون بقاء الأكوان ولا يستثنون منها شيئا إلا التأليف ، فإنه باق باتفاق من أثبته منهم . وصار صائرون إلى الحكم ببقاء جملة الأكوان إلا الحركة . والذي استدل به الأولون يوجه على هؤلاء ولا يجدون عنه محيصا . ولهم على الحركة أسئلة نستقصيها في منع بقاء الأعراض . فهذا أحد الوجهين . والوجه الثاني أنهم قالوا : يجوز اجتماع المثلين من كل جنس من أجناس الأعراض في الجوهر الواحد ، ومنعوا قيام حركتين بالمحل الواحد ، وفصّلوا قولهم في ذلك فقالوا : يستحيل أن تقوم بالجوهر في الحالة الواحدة حركتان : إحداهما إلى مكان ، والأخرى إلى مكان آخر ، فإن الحركتين إلى مكانين مختلفين متضادتان . وكما منعوا ذلك منعوا أيضا قيام حركتين إلى مكان واحد بالجوهر الواحد ، وإن كانتا متماثلتين . ومن قضية أصلهم أن ما لا يبقى يستحيل قيام اثنين منه بالمحل الواحد . ولذلك منعوا قيام صوتين متماثلين بالمحل الواحد . وهذا من أعظم مناقضاتهم . وسنبسط القول فيها في باب التضاد ، إن شاء اللّه عز وجل . فصل [ لا يجتمع جوهران في حيز واحد ] فإن قال قائل : قد قدمتم في صدر الكتاب إيضاح استحالة اجتماع جوهرين في حيز وفي مكان واحد ، فما المانع من ذلك ؟ قلنا : قد اختلف [ ت ] طرق المحققين في ذلك : فقال بعضهم إن ذلك امتنع ، لتضاد الأكوان . ثم قد يزل في هذه الطريقة من لم يحصل المقصد من هذا الباب . فيظن أن كوني الجوهرين اللذين قيل فيهما أنهما لا يجتمعان في مكان واحد يتضادان ، وهذا محال . فإن العرضين إنما يتضادان على المحل الواحد ، ويستحيل أن يضاد كون أحد الجوهرين كون الثاني مع اختصاص كل كون بمحله . فيجب صرف التضاد في حق من سلك هذه الطريقة إلى كونين يتضادان على المكان الذي يقدر فيه جوهر ثم جوهر . فاستحال اجتماع الجوهرين في المكان الواحد ، لأن المكان كونا عند تمكن أحدهما ، وله كون آخر عند تمكن الثاني ، وكوناه يتضادان . وهذا ما ارتضاه الأستاذ في « الجامع » . وهذه الطريقة مدخولة عندي ، فإنها وإن قدر استقامتها في المكان الواحد ، فلا تستقيم عند رد الكلام إلى الحيز . فإنا لو لم نقدر إلا جوهرين ، وكل واحد منهما مختص بحيز ويستحيل أحدهما بحيث وجود الثاني . ولا يمكن صرف ذلك إلى كونهما لما قدمناه من